جلال الدين الرومي
11
رسائل مولانا ( معرب عاكوب )
فالتذكير بعبوديّة الإنسان لربّه ، وحتمية رجوعه إليه ، وضرورة محاسبته نفسه لا تغيب عن عين المتأمّل في رسائل هذا المبدع . وفي مقدور المرء أن يقول هنا بأسلوب مولانا نفسه : إنّ عين روح مولانا صار قرآنا . فقد تخلّلت مطالب القرآن الكريم والحديث الشّريف وأقوال الصّالحين وأشعار الحكماء نسيج رسائله . وفي المستطاع القول إنّ رسائل مولانا ، على غرار أشعاره وآثاره النثرية ، تقدّم لنا نموذجا للأدب الإسلاميّ الرّفيع ، الذي يغذو الأرواح حكمة متعالية وحسّا دينيّا رفيعا يعزّز إنسانيّة الإنسان ، ويفجّر فيه ينابيع الفهم المتألّق الذي يدرك به فعل الدّيان في الأكوان ، فيتعرّف بذلك خالقه العظيم بآياته الماثلة في الأنفس والآفاق . د - تبرز الرّسائل مولانا المربّي لأجيال السّلاطين والحاكمين والقضاة وقادة الجيش المجاهدين والتّجّار والصّنّاع والوعّاظ والمدرّسين والسّيدات والدّراويش . وكان ينمّي في كلّ من يخاطبه الأخلاق العالية والمعاني السّنيّة وأعمال الخير والصّلاح . ويحرص في الثّناء والتبجيل على أن تأتي الصّفات مناسبة تماما لطبيعة المخاطب ، وكأنّه يدعو المخاطب إلى أن يتخلّق بما ينبغي أن يكون عليه من الأخلاق الرفيعة والسّجايا الحميدة . وعلى هذا النحو تكون الرّسائل ضربا موفّقا ممّا سمّيناه في مناسبات أخر : الأدب المؤدّب . هذا الأدب الذي كان للنساء نصيب طيّب منه ؛ فهناك عدد من الرّسائل الموجّهة إلى سيّدات فضليات في شؤون مختلفة . وهو أمر يبرز المنزلة العلية التي تمثّلها المرأة في جملة اهتمامات مولانا . ه - يبدو مولانا في الرّسائل ، كما هي حاله في آثاره الأخر ، قارئا ممتازا لآداب الفرس والعرب . فقد أظهرته الرّسائل شديد الولوع بآثار عدد من شعراء التصوّف